"الأصولية السلطوية" وانهيار الدولة العربية

"الأصولية السلطوية" وانهيار الدولة العربية
طباعة تكبير تصغير
وكالة أنباء الجمهورية التركية - أنقرة

خليل العناني

كاتب وباحث مصري

لم ينقطع الصراع عن الدولة العربية منذ أوائل القرن الماضي، فبعد أن كان ذلك الصراع يدور بالأساس بين المحتل الأجنبي والنخب الوطنية، انتقل في مرحلة الاستقلال ليكون صراعًا بين هذه النخب بعضها بعضًا من أجل السيطرة والهيمنة على الدولة، أو بالأحرى على مشروع الدولة الوليدة آنذاك.

وقد حاولت قوى سياسية وأيديولوجية عديدة فرض هيمنتها سواء الفكرية أو السياسية على المجتمع وإعادة تشكيله لضمان تأييده في صراعها مع بعضها بعضًا، وكانت النتيجة أن المجتمع أصبح مجرد أداة تستخدمها النخب والقوى في صراعها، وليس طرفًا مستقلًا في اللعبة له أهدافه ومصالحه.

وعندما جاء "الربيع العربي" حاول كسر هذه المعادلة من خلال إشراك المجتمع بقواه الحية، كفاعل مستقل عن مراكز الصراع، ومساهمًا للمرة الأولى في بناء دولته وتصحيح بوصلتها؛ لكن سرعان ما انقلبت قوى الثورة المضادة عليه، وانقضّت على حلمه، ودخلت في صراع شرس أدى إلى تقسيم وتحطيم المجتمع ذاته، كما هو الحال في سوريا وليبيا واليمن.

إذ لم يكن فشل "الربيع العربي" إلا بسبب إصرار الأصولية السلطوية على خنق المجتمع وتأميم المجالين السياسي والعام بما لا يسمح بظهور أي حركات سياسية حقيقية أو مجتمع مدني ناضج وقوي يمكن أن يشكل بديلاً عنها.

الأصولية السلطوية، ونعني بها تركيز وتجميع السلطة في أيدي فئة قليلة من الساسة، تستخدم كافة أشكال القمع والعنف والإقصاء من أجل البقاء في السلطة، والاستئثار بها مهما كان الثمن، وتمثل أحد الأسباب الأساسية لسقوط وانهيار الدولة الوطنية في أكثر من بلد عربي في مفارقة غريبة، فالمفترض أن هذه "الدولة" كانت بمثابة الحلم الذي سعت النخب العربية لتحقيقه بعد الاستقلال؛ لكنها أصبحت مجرد جهاز تستخدمه النخب السلطوية من أجل الاستئثار بالسلطة.

وقد تفشّت هذه الأصولية السلطوية طوال العقود الستة الماضية، وقامت بتشكيل مراكز القوى بشكل ممنهج ومؤسسي أدى إلى سيطرتها على المجتمع، مُضعِفة كل الوسائط السياسية كالأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني، ووائدة ظهور أيّ بدائل سياسية حقيقية وجادة؛ لذا عندما اندلعت موجة "الربيع العربي" وسقطت بعض أضلاع هذه الأصولية السلطوية، انكشفت حالة الفراغ السياسي الهائل الذي لم يجد من يملؤه سوى جماعات وحركات مختلفة تتفاوت في درجة أصوليتها الدينية والطائفية.

تفشّي الأصولية السلطوية أنتج أيضا جماعات وطوائف منغلقة على نفسها، والتي ما إن تحِن الفرصة حتى ينطلق عقالها وتسعى ليس للانتقام السياسي فقط، وإنما أيضًا للتخلص من عقبة "الدولة"، فهذه الأخيرة بالنسبة لها ليست مجرد "آلة قمع وإقصاء"؛ بل بمثابة "عدو" يجب التخلص منه وإسقاطه، وقد حدث هذا في العراق بعد صدام حسين، ويحدث الآن في ليبيا واليمن وسوريا، وما كان لعواصم وحواضر ظلت قائمة ومتماسكة لعقود أن تسقط بسهولة ويُسر في أيدي جماعات وطوائف لولا سلطوية هذه العواصم ومن يحكمها وفشلها في احتواء ودمج جماعاتها وفصائلها السياسية والمذهبية والعرقية.

 

ساهمت الأصولية السلطوية في زيادة الطلب على الأصولية الدينية حيث انضم كثير من الشباب لصفوف هذه الحركات باعتبارها البديل الوحيد للأصولية السلطوية

اعلان

الأصولية السلطوية كانت أيضا سببًا مهمًّا في تغذية وشرعنة الأصولية الدينية، ليس بسبب إغلاقها للمجال السياسي بما لا يسمح بدمج الحركات والأحزاب الأكثر اعتدالًا فقط، وإنما أيضًا بسبب تأميمها واحتكارها لكل المساحات التمثيلية الأخرى كالبرلمان والنقابات والجامعات، مما أسبغ شرعية على إستراتيجية التحدي التي مارستها الأصولية الدينية تجاه الدولة والمجتمع.

كما ساهمت الأصولية السلطوية في زيادة الطلب على الأصولية الدينية، حيث انضم كثير من الشباب لصفوف هذه الحركات باعتبارها البديل الوحيد للأصولية السلطوية، كذلك ساهم التوظيف الشوفيني لمفهوم الوطنية من قِبل الأصولية السلطوية إلى نفور الكثيرين من الدولة كوحدة سياسية جامعة والبحث عن كيانات أخرى بديلة كالطائفة والقبيلة.

وقد أسهم الصراع بين الأصوليتين الدينية والسلطوية في نشوء أصولية ثالثة هي الأصولية العلمانية التي تناصب المتدينين العداء، وتتحالف مع الأصولية السلطوية من أجل التخلص منهم، وإن جاء ذلك على حساب منظومتها القيمية والأخلاقية، ولعل من المفارقات أن هذه الأصوليات الثلاث (السلطوية والدينية والعلمانية) تتبع فلسفة وإستراتيجية واحدة في التعاطي مع المخالفين لها أو الراغبين في المشاركة بالسلطة؛ وهي الإقصاء والتهميش والاستبعاد، لذا فإن التخلص منها غالبًا ما يكون باهظ الثمن، وذلك من خلال سقوط وانهيار الدولة، أو عبر تفسّخ وانحلال المجتمع ككتلة واحدة متماسكة.

ورغم ذلك تظل الأصولية السلطوية الجذر الأصيل للأصوليتين الأخريين والمحرّك الأساسي لتطرفهما الفكري والسياسي، لذا لن يكون غريباً أن يصبح مآل ومصير هذه الأصولية السلطوية في بلدان مثل مصر والسعودية والإمارات، شبيهًا لمآل ومصير السلطويات التي سقطت وتفككت خلال العقدين الأخيرين في العراق وليبيا واليمن والجزائر.

تتحمل الأصولية السلطوية إذاً مسؤولية أساسية عن انهيار مشروع "الدولة" الوطنية في العالم العربي، وهي مسؤولية تتوزع على مرحلتين؛ أولهما جرت خلال مأسسة عملية الإقصاء والتهميش وتجذيرها ضمن بنية المجتمع على طريقة "فرق…تسد"، وذلك على حساب جماعات وفئات محلية هُمِّشت وأُجهِضت حقوقها، والثانية من خلال رفض التنازل عن السلطة طوعاً أو حتى القيام بإصلاحات حقيقية بعد موجة "الربيع العربي"، وهو ما أفضى إلى ما نشهده الآن من تفسخ وانحلال للدولة العربية بشكلها التقليدي الذي ظلت عليه خلال القرن الماضي.

المصدر: الجزيرة نت